تمازج ألوان بقلم عبدالجبار الحمدي

القاص/عبد الجبار الحمدي
تمازجت الألوان بريشته , فبدا كأنه يدور في دوامة , كان هذا بعد أن ادخل أبهامه في ثقب لوحة الألوان ممسكا بالأصابع الباقية دفة سطحها , هذا ما شرع به واقفا أمام لوحة بيضاء , تركها لمدة أشهر بحثا عن فكرة لم يشعر بنفسه وقد عصر كل علب الألوان فوق بعضها البعض على اللوحة , لتعمل لواجعه تارة مزجا لألوان فاتحة , وتارة أخرى لألوان غامقة , حتى فرك شاربه ولطخ وجهه برأس الفرشاة , أنتبه لنفسه .. زم شفتيه وقال .. لما لا ؟! ستكون لوحة غريبة , فهذا ما كان يدور بخلدي طلية تلك المدة , فأنا أريد أن أجسد صخور الجبل كما لو أنها أجرام سماوية سقطت على الأرض لتمسك رواسيها , هكذا .. ودارت أصابع يده بشكل سريع , ترسم ألوان مزاج متعكر , فما أن يضع رأس الفرشاة , حتى تمسك أنفها عن شم رائحة ألوان متخبطة . كانت تتنفس تعكر مزاج فنه , لم تختلط مع بعضها , لم تتجانس فكلها باتت تريد أن يطغى لونها على بقية الألوان , لتكون اللوحة باسمها , تراشقت فيما بينها بتسميات حادة , شم دخان تقلبها أنفه , تعكرت خيوط أمزجة , تشابكت الرؤى بداخلة , لم يعد يدري ماذا تصنع أصابعه , فقد أمسكت بتلك الخيوط وراحت تدور في فلك الألوان , نَصَبت نفسها حكما , صرخت , سكوت ... رجاءً , إن عليكم احترام قوانين الألوان والسيادة , فكلكم يعلم أن الحياة لا يمكن ان تستمر بلون واحد , أو حتى لونين , فالتفرد صفة إنسانية , ما أن يحصل عليها الإنسان حتى تتخبط بداخله كل الموازين والقيم , تذكروا أنكم الحياة بالنسبة للعالم , فلولا ألوانكم وتجانسها وتمازجها لما كان الانسجام , تذكروا قلب الطبيعة , ما كان قوس قزح , لولا مشاركة الشمس والماء والضباب , ولولا تغير الألوان لكانت الحياة بورا , انظروا إليه فقد أبتلع غضبكم وعدم تجانسكم في كل خلايا أحاسيسه , وبات يدور في حلقة الألوان المفرغة , كما أن إبداعه ركن بعيدا , ورفع يده عن المشاركة في تخبطات فنيه , كانت بعض الألوان تنصت وتعمل على الخروج من دوامة الإرهاص , التي أخذت في دورانها ألطردي , لتبتعد عن المركز , تاركة الساحة لمن يريد أن يبقى متشنجا متزمتا , إن لعب الأدوار الملونة يحتاج إلى صبغة وجه , يمكنها أن تنضح صلفة لا يمكن للألوان الأخرى أن تجاريها , كما أنها تحب أن تكون بارزة فاقعة بتفردها كما هو الأصفر , لون المرض والحقد والغيرة , ناهيك عن تقربه من اللون الأسود الذي لا يحب أن تكون الحياة مزدهرة باسمه , فقتامة قلبه أغلقت الحب في دياجير مظلمة , وحكمت عليه أن يلبس الحداد , لطما وشق جيوب , بصراخ أوجاع وعذابات , إن الحياة عنده لا تستمر بدون نوائب , دوى صخب عبر تخبطات ألوان بحديث جانبي , وطُرِحَ أن سيد الألوان هو الأبيض , فهو باعث الضياء والنور والأمل , وهكذا الألوان الباقية , تفضل بعضها على بعض , حتى بعد أن اختلطت لتكون ألوانا جانبية , على أن تكون ولادة جديدة من تزاوج متجانس أو حتى غير متجانس , المهم أن تكون النتيجة السلام فيما بينها , ليستمر هو في توضيح فكرته ورسمها , أعلنت الأصابع إن الجميع على حق , وأيضا فيهم المخطئ , فمن المستحيل الارتقاء .. خصوصا إن الارتقاء ندرة , وعلينا أن نتعلم كيف نتسلق الممرات نحو السماء حتى نصل إلى الرقي , لكن دون الصعود على أكتاف الآخرين هنا تدخل من لبست الطبيعة لونه عطاءً , فقال اسمحوا لي .. فقد سُخِرنا لان نعمل على إضافة روح الحياة إلى كل شيء ميت , ولعلكم تعلمون أن الإنسان ضعيف , ويتأثر بسرعة بالمتغيرات الغير طبيعية , خصوصا أنه يتطبع بالمؤثرات البيئية وما حوله من قوانين مختلفة , سُطِرت بأمزجة ربما كانت سوداء أو متلونة أو حتى بيضاء , لذا كان لزاما عليه أن يتعامل معها وفق القوانين البشرية , والتي تقول إن العقل هو ميزان التمييز بين الجميل والقبيح , لذا أرى أن نتعاون فيما بيننا , لنجهز على المؤثرات الخارجية , ونصور الواقع الذي يراه هذا الإنسان من خلال عقله , وما يراه من صور مشوشة في أبعاد لوحته , فكما ترون هو يريد أن يرسم الصخور الجبلية , ولكني أرى أن الصخور بالنسبة له تعني الصلابة والقوة , أما الجبل فهو الرسوخ والوتد , الذي لا يمكن أن يتزعزع , رغم اختلاف قناعتكم وما دار بينكم , انظروا هاهو يعمل دون أن يكترث بما يدور حوله وبينكم , رغم التأثيرات التي حاولتم طرقها وبثها إلى عقله عبر أنفة وأصابعه , لذا أرى أن تتركوا التصارع على السيادة , فأنا أرى ويشاطرني في الرأي اللون الوردي , إن القيم لا يمكن أن تباع وتشترى , وعجلة الحياة لا يمكن أن تدور , إذا كانت مكعبة أو مربعة أو حتى معينيه الشكل , يجب أن تكون دائرية فلو لاحظ الإنسان أن كل شيء حوله دائري متحرك , وخلاف ذلك قابع في مكانه , وهذا ليس جديدا أو مبتكرا , لكن هي تلك الحياة , والكون والأفلاك وكل ما وجد هو دائري , أما نحن فنكمن في لب كل تلك الأشياء , لأننا رحيق عقل الإنسان وباطن تقلب أمزجته , فدعوه يرسم ما يشاء , لنرى كلنا أن تخبطاتنا , يمكن أن تأتي بنتيجة , فيما إذا أدركنا أننا نعمل في اتجاه واحد للوصول إلى نتيجة واحدة محتمة , حتى وأن اختلفت خطوط النهاية للجميع , فكل شيء له وقت وساعة , كانت الألوان وقبلها الأصابع تنصت له , وهي تزيح عن صدرها آلة التفرد التي طغت عليها , نتيجة عبور مبهرجات العصر , التي أثرت على العقول وتخديرها بمسميات التحرر والانفتاح الغير محسوب , عملت أصابع يده على تلك الصخور , والتي رسمها تتدحرج من قمة الجبل هرعةً , متسابقة لتكون حجر أساس جديد , نتيجة زلزال ضرب الأرض فاهتزت قِيَمَها , لذا سلط الضوء بريشته , ورمى بخلاصة معاناته لوحة فنية جمعت كل الألوان مع بعضها البعض لتكون رسالة أسماها , الارتقاء بالإنسانية عناوين سماوية .